المقالات

الإبداع ليس ترفاً

(الحاجة إلى الإبداع ليست ترفاً، واستثمار القدرات الإبداعية لم يعد خياراً، وقد بدا ذلك ملموساً حتى في أماكن الترفيه والسياحة)
“بوليفارد الرياض” ذلك المشروع الضخم من أشهر الأماكن الترفيهية الحديثة في بلادنا النامية تجلت فيه أعلى معايير الجودة في ضوء الأفكار الإبداعية الماثلة للعيان لعل أهمها خدمة المستفيد فعند زيارته لأول مرة لم نلاحظ التجمعات البشرية المعتادة عند المداخل أو ما كان يسمى بشبابيك التذاكر، فنظام الحوكمة الإلكترونية القائم على تقديم خدمات أكثر فاعلية ومرونة للمواطنين لم يغفل عن تلك الأماكن الترفيهية أيضاً بل أطلق خدمة “تذكرة دخول بوليفارد” بشكل إلكتروني وذاتي حيث لا يتجاوز الحصول على التذكرة والدخول بضع دقائق ناهيك عن ما يتمتع به من تنظيمات وتصنيفات إبداعية في الداخل أضافت على المكان جاذبية أكثر لتكرار الزيارة،
“جوجل ماب ميكر” ذلك الابتكار الأسطوري الذي أسسته شركة جوجل في 2008 كخدمة لتصميم وتطوير خرائط جوجل عبر المستخدمين بإضافة الأماكن والطرق التي يعرفونها ورسم الطرق وتعديل الأسماء بالاعتماد على صور “الساتلايت” ماذا أضاف للعالم وبالأخص للسائحين؟!
من كان يتخيل أن التنقل بين الأماكن مجهولة المعالم لدى البعض سيصبح أمراً غاية في السهولة، بعد أن كان يخضع لوصف تقليدي أو توجيهات مرشد سياحي خبير بالمنطقة أو اجتهادات شخصية مشقيه؛ ولا شك أن تلك المحاولات كانت تؤدي إلى هدر الكثير من الوقت والجهد والمال أضف إلى ذلك التوتر النفسي الذي يفقدك قيمة الوقت المنزوع لهدفك لاسيما وإن كان للاسترخاء والترفيه، إلا أن خيال جوجل الإبداعي جعل الأمر بالفعل غاية في السهولة حين حوله الى حقيقة؛
وكثير من الابتكارات التي سطعت على وجه البسيطة لم يكن الغرض منها المنافسة العالمية أو الاصطفاف في طوابير الجوائز، غير أنها نشاطات ذهنية جامحة لتحويل تلك الأفكار الى واقع ملموس، فصَنعت التغيير بتلقائية بحتة وأحدثت فارقاً جوهرياً في نمط المعيشة على غير مثال سابق؛
لذلك لن أعزف على وتر فلسفة التقدم الحضاري المعاصرة فحسب أو مواكبة المتغيرات المتسارعة في سلسلة القرن الحادي والعشرين كما جرت عليه العادة عند طرق أبواب الإبداع، فتلك الابتكارات المؤثرة لم تكن معجزات إلهية إلا أنها استثمار للإبداع الإلهي الواقعي ومحاكاه لما خلقه الله تعالى، وهي كذلك ليست استثنائية على العباقرة والموهوبين بالفطرة بل ولدت من رحم التفكير الإبداعي المكتسب حين استجاب العقل للخروج مع منعطفات المسارات الفكرية بحثاً عن أفكار بحلة جديدة لا تخضع لقيود أو معايير شرطية،
يقول الفيلسوف الروماني “لوكريتيوس” (لا شيء يمكن إبداعه من لا شيء)؛
كل ذلك يدفعنا لتحريض العقول البشرية لاستثمار قدراتها الإبداعية والاجتهاد في مقاربة أحلام اليقظة مع معطيات الواقع فعندما ننظر للمألوف بطريقة غير مألوفة سنجد فرص إبداعية أكثر لإحداث التغيير المأمول على المستوى الفردي والجماعي والعالمي؛ لنكون شعباً ووطناً ضمن منصة الإبداع بجدارة.
فرص المنافسة العالمية قد تتهيأ بعصا التحدي والعزيمة التي تخضع للقدرة المادية والخطط الاستراتيجية المعايرة على يد الخبراء والمفكرين؛ إلا أن فرص البقاء في صدر التميز والإبداع بلا منافس مرهون بتطوير واستغلال القدرات البشرية الفاعلة والمؤثرة للانطلاق بالمجتمعات الى مرحلة غير مسبوقة ودفع عجلة التقدم الحضاري لأسمى مبتغاه لاسيما إذا ما أطلق لهم العنان وهيء لهم مناخ يشجع ويغذي الأفكار اثناء تكوينها وتطويرها، ولا يخفى دور المدارس كبيئات تربوية حاضنة للتلاميذ في اكتشاف المواهب وتحفيزها والعمل على تنميتها ، لكن المتأمل لواقعها مزيد من الجهود ، فبرامج اكتشاف الموهوبين تتمركز حول فئة معينة من ذوي القدرات الفطرية، لذلك يعوّل على وزارات التعليم في الوطن العربي الشيء الكثير لوضع تصور معين يكرس مفهوم “بيداغوجيا الإبداع” في سن مبكرة ، ونرى في هذا السياق أهمية وجود مرشد بيداغوجي في الصفوف المبكرة يعمل على تحفيز المتعلم على اكتشاف قدراته ورفع رصيده المعرفي بعيداً عن الأطر التقليدية المعمول بها حالياً ، فهل تفعلها وزارة التعليم من أجل صقل الإبداع وترسيمه ؟!

 

مشاركه الخبر

مقالات ذات صلة

إغلاق